السيد محمد تقي المدرسي
115
من هدى القرآن
كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ، وَقَالَ أَهْلُ النَّارِ : قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ . وَقَالَ إِبْلِيسُ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي . فَقُلْتُ وَالله مَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ ، وَلَكِنِّي أَقُولُ : لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللهُ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى . فَقَالَ عليه السلام : يَا يُونُسُ لَيْسَ هَكَذَا ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى ، يَا يُونُسُ تَعْلَمُ مَا المَشِيئَةُ ؟ . قُلْتُ : لَا . قَالَ عليه السلام : هِيَ الذِّكْرُ الأَوَّلُ . فَتَعْلَمُ مَا الإِرَادَةُ ؟ . قُلْتُ : لَا . قَالَ عليه السلام : هِيَ العَزِيمَةُ عَلَى مَا يَشَاءُ . فَتَعْلَمُ مَا القَدَرُ ؟ . قُلْتُ : لَا . قَالَ عليه السلام : هِيَ الهَنْدَسَةُ وَوَضْعُ الحُدُودِ مِنَ البَقَاءِ وَالفَنَاءِ . قَالَ ثُمَّ قَالَ عليه السلام : وَالقَضَاءُ هُوَ الإِبْرَامُ وَإِقَامَةُ العَيْنِ . قَالَ فَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أُقَبِّلَ رَأْسَهُ وَقُلْتُ : فَتَحْتَ لِي شَيْئاً كُنْتُ عَنْهُ فِي غَفْلَة ] « 1 » . وروي عن الإمام الكاظم عليه السلام : أنه قال « مَسَاكِينُ القَدَرِيَّةِ أَرَادُوا أَنْ يَصِفُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِعَدْلِهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ » « 2 » . وعن أبي جعفر عليه السلام قال : « نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي القَدَرِيَّةِ . . . » « 3 » . يبدو من عدة روايات إنها تتضمن ردًّا على القدرية الذين نفوا تقديرات الله ، وفيهم نزلت هذه الآية ، وقد استدل البعض بهذه الآية على أن أعمال الإنسان هي الأخرى مقدرة فزعم أنها تدل على الجبر ، والصحيح أن كل شيء مقدَّر من قبل الله ، ومن تقديراته الاختيار الذي وهبه للإنسان . والذي يظهر أن الآية تثبت أكثر من أية فكرة أخرى حكمة الله في الحياة ، التي تهدينا معرفتها إلى الإيمان بالمسؤولية ، والدار الآخرة أعظم تجلياتها ، حيث يحاسب الناس على سعيهم ، ويلقون جزاءهم الأوفى خيراً أو شراً ، جنةً أو ناراً . وفي كتاب ( الله والعلم الحديث ) يضرب المؤلف « 4 » أمثلة للحكمة الإلهية فيقول : [ إن الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد ، لأنها قليلة البيض ، قليلة التفريخ ، فضلا على أنها لا تعيش إلا في مواطن خاصة محدودة ، وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار ، ولو كانت مع عمرها الطويل كثيرة الفراخ مستطيعة الحياة في كل موطن لقضت على صغار الطيور ، وأفنتها على كثرتها وكثرة تفريخها ، أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة بدورها لطعام هذه الجوارح وسواها من بني الإنسان ، وللقيام بأدوارها الأخرى ووظائفها الكثيرة في هذه الأرض . بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الصقر مُقلَّات نزور
--> ( 1 ) أصول الكافي : ج 1 ، . 157 ( 2 ) بحارالأنوار : ج 5 ، ص 54 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 118 . ( 4 ) عبد الرزاق النوفل .